مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

102

تفسير مقتنيات الدرر

لمّا بيّن ما يرهب به العدوّ بيّن أنّه من بعد الإرهاب إذا مالوا للصلح والسلم فالحكم قبول الصلح . وتأنيث المضمر باعتبار الفعلة والجنحة كقوله : « إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » « 1 » أي من بعد فعلتهم . قال الزمخشري : « السلم » تؤنّث تأنيث نقيضها وهي الحرب قيل : هذه الآية منسوخة بقوله : « فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » « 2 » وقوله : « قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّه ِ » « 3 » وقال بعض المفسّرين : الآية غير منسوخة والآية متضمّنة بالصلح إذا كان الصلاح فيه والمهادنة تكون بنظر الرسول والإمام . قوله : * ( [ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه ِ ] ) * أي فوّض الأمر في المعاقدة معهم إلى اللَّه ليكون عونا لك ، إنّه سميع وعليم بما يضمره العباد . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 62 إلى 63 ] وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّه ُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِه ِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّه َ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّه ُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 ) لمّا أمر في الآية السابقة بقبول الصلح إن صالحوا بيّن في هذه الآية أنّهم إذا أرادوا الصلح وقصدهم أن يخدعوك في الصلح وهم يتأهّبون للقتال فيتقوّون ويبدؤون بالقتال معكم من غير استعداد منكم فإنّ الَّذي يتولَّى كفايتك اللَّه هو الَّذي قوّاك بالنصر وأيّدك بالمؤمنين على أعدائك . والمراد بالمؤمنين الأنصار وهم الأوس والخزرج وأراد بتأليف القلوب ما كان بين الأوس والخزرج من المعاداة والقتال سنين متطاولة فإنّه لم يكن حيّان من العرب بينهما من العداوة مثل ما كان بين هذين الحيّين فألَّف اللَّه بينهم حتّى صاروا متوارثين متحابّين ببركة محمّد صلى اللَّه عليه وآله . ولو أنفقت يا محمّد ما في الأرض جميعا لم يمكنك جمع قلوبهم على الألفة وإزالة ضغائن الجاهليّة إنّه غالب في أمره حكيم في أفعاله . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 64 إلى 66 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّه ُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 64 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 65 ) الآنَ خَفَّفَ اللَّه ُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّه ِ وَاللَّه ُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 66 )

--> ( 1 ) الأعراف : 152 . ( 2 ) التوبة : 5 . ( 3 ) التوبة : 29 .